خليل الصفدي
310
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ذلك فكان لا يصبر عن سفك الدماء . وكان يقول أنّ أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب الأمور التي لا يقدم عليها غيره . وقال ابن عبد ربّه « 1 » ، إن الفارعة المذكورة كانت امرأة المغيرة بن شعبة وإنه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة وذكر أيضا أن الحجاج وأباه كانا يعلّمان الصبيان بالطائف ، ثم أن الحجاج لحق بروح بن زنباع وزير عبد الملك ، وكان في عداد شرطته إلى أن رأى عبد الملك انحلال عسكره ، وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله ، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع ، فقال : إن في شرطتي رجلا لو قلّده أمير المؤمنين عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله ، يقال له الحجاج بن يوسف ، قال : فإنّا قد قلّدناه ذلك ، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلّا أعوان روح بن زنباع ، فوقف عليهم وقد رحل الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم : ما منعكم أن ترحلوا لرحيل أمير المؤمنين ؟ فقالوا له : انزل يا بن اللّخناء وكل معنا ، فقال لهم : هيهات ذهب ذلك ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوّفهم في العسكر وأمر بفسطاط روح فأحرق بالنار فدخل روح على عبد الملك باكيا وقال : يا أمير المؤمنين إنّ الحجاج الذي كان في شرطتي ضرب غلماني وأحرق فساطيطي ، قال : عليّ به . فلما دخل عليه قال : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : أنا [ ما ] « 2 » فعلت ؟ قال : ومن فعل ذلك ؟ قال : أنت إنما يدي يدك وسوطي سوطك ، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح ما ذهب له عوض الفسطاط فسطاطين وعوض الغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدّمني له ، فأخلف لروح ما ذهب له وتقدّم الحجاج في منزلته وكان ذلك أوّل ما عرف من كفايته . وكان للحجاج في الفتك والسّفك والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها وهي مشهورة عنه مدوّنة ويقال إن زياد بن أبيه أراد أن يتشبّه بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في ضبط الأمور والحزم والصّرامة وإقامة
--> ( 1 ) انظر العقد الفريد 5 / 13 - 14 . ( 2 ) الاستدراك يستدعيه سياق الكلام .